المقريزي

384

إمتاع الأسماع

الطويلة ، وبعد خراب بيت المقدس مرة بعد مرة ، وبقائه خرابا لا ساكن فيه أزيد من مائتي عام وسبعين عاما ، وجدوا الشوك الذي وضع على رأس المسيح عليه السلام ، ووجدوا المسامير التي ضربت في يده ، والدم الذي طار من جسده ، والخشبة التي صلب عليها بزعمهم . فلا يدري العاقل ممن العجب ؟ أممن اخترع مثل الكذبة ، وتجاسر على الحديث بها ؟ أم ممن قبلها وصدق بها ودان باعتقادها ؟ فياليت شعري ، كيف بقي ذلك الشوك وذلك الدم وتلك المسامير والخشبة طول تلك المدة ؟ وأهل ذلك مطرودون مقتولون بالسيف والرجم بالحجارة والإحراق بالنار لقتل من تستر بالزندقة في زماننا . ومع ذلك فإن تلك المدينة خراب منذ عشرات الأعوام لم يسكنها أحد إلا السباع والوحش ، وقد شوهد ملوك جلة لهم أعوان وأتباع وأولاد ، وشيع وأقارب صلبوا ، فما مضت إلا مدة يسيرة حتى لم يبق لأخشابهم التي صلبوا عليها أثر ، فكيف بأمر لا طالب له ، وبدول قد انقطعت ، وبلاد قد أقفرت وخلت ، ونسيت أخبارها . وأما ديانة اليهود : فإنه لم تصف نيات بني إسرائيل - وموسى عليه السلام حي بن أظهرهم - وما زالوا مائلين إلى عبادة الأوثان ، وتكذيب شريعتهم كلهم بعد وفاته عليه السلام ، إلى انقطاع دولتهم ، فكيف أن [ يذعن ] ( 1 ) لهم غيرهم ؟ . ولا خلاف بين اليهود والنصارى وسائر الملل كلها في أن بني إسرائيل كانوا في مصر في أشد عذاب يمكن أن يكون من قبل أولادهم ، وتسخيرهم في عمل الطوب ، والضرب العظيم والذل الذي لا يصبر عليه كلب مطلق ، فأتاهم موسى عليه السلام يدعوهم إلى فراق هذا الأسر الذي قتل النفوس أخف منه ، وإلى الحرية والملك والغلبة والأمن ، ومن المعلوم أن من كان في أقل من تلك الحال فإنه

--> ( 1 ) زيادة للسياق .